سيد محمد طنطاوي
313
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) * . وقوله : * ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) * أصله : فإن نرك ، فزيدت « ما » لتوكيد « إن » الشرطية ، وجوابها محذوف ، وقوله * ( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) * جوابه * ( فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ) * . والمعنى : إذا كان حال هؤلاء المشركين كما ذكرنا لك يا محمد ، فاصبر على جدالهم بالباطل ، إن وعد اللَّه - تعالى - بتعذيبهم وبنصرك عليهم حق . فإن نرك بعض الذي نعدهم به من القتل والأسر والهزيمة فبها ونعمت ، أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا مرجعهم يوم القيامة ، فنجازيهم بما يستحقون من عقاب . فالآية الكريمة تأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم بمداومة الصبر ، وتحض على تبليغ ما أنزل إليه من ربه بدون كلل أو ملل ، ثم بعد ذلك يترك النتائج للَّه - تعالى - يسيرها كيف يشاء ، فإما أن يطلعه على ما توعد به أعداءه ، وإما أن يتوفاه قبل ذلك . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ، فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وعَلَيْنَا الْحِسابُ « 1 » . ثم ساق - سبحانه - تسلية أخرى للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( ولَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا . . . ) * أي : رسلا كثيرين * ( مِنْ قَبْلِكَ ) * أي من قبل إرسالك إلى الناس . * ( مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ) * كنوح وهود وصالح وإبراهيم . وغيرهم . * ( ومِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) * أخبارهم وأحوالهم لأن حكمتنا قد اقتضت ذلك . كما قال - تعالى - في آية أخرى : ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، وكَلَّمَ اللَّه مُوسى تَكْلِيماً « 2 » . والمراد بالآية في قوله - تعالى - * ( وما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه ) * المعجزة الخارقة الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه . أي : وما صح وما استقام لرسول من الرسل أن يأتي بمعجزة من عند نفسه ، وإنما يأتي بها بإذن اللَّه - تعالى - ومشيئته ، إذ المعجزات جميعا عطايا من اللَّه - تعالى - لرسله لتأييدهم في دعوتهم .
--> ( 1 ) سورة الرعد الآية 40 . ( 2 ) سورة النساء الآية 164 .